الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب :« في رثاء كلمتين رحلتا من قاموس التربية عيب وحرام »

البقاء والدوام لله ليس الحديث اليوم عن أشخاص غادروا الحياة، بل عن كلمتين رحلتا بصمت من حياتنا اليومية، تاركتين فراغًا كبيرًا في منظومة القيم والسلوك. رحلت كلمتا عيب و حرام اللتان كانتا، على بساطتهما، بمثابة مدرستين تربويتين تخرّجت فيهما أجيال من الرجال والنساء الذين عرفوا معنى الاحترام والحياء والمسؤولية.
في زمن الآباء والأجداد، لم تكن التربية تعتمد على النظريات المعقدة أو الدورات المتخصصة أو المصطلحات الحديثة. كانت هناك كلمات قليلة، لكنها عميقة الأثر، تختصر فلسفة مجتمع كامل في بناء الإنسان. وكانت عيب وحرام في مقدمة هذه الكلمات.
كبرنا ونحن نسمعها على ألسنة الأمهات، والآباء والمعلمين والجيران. لم تكن أوامر جافة ولا قيودًا ثقيلة، بل كانت إشارات أخلاقية ترشد السلوك وتقوم الاعوجاج وتزرع في النفوس معاني الذوق العام واحترام الآخرين.
كان الأب يقول لابنه عيب أن ترفع صوتك على عمك أو خالك أو معلمك وكانت الأم تهمس لابنتها عيب أن تؤذي أحدًا بكلمة، وعيب أن تتخلي عن حيائك وأدبك فتربت البنات على الحشمة والوقار، وتربى الأبناء على غض البصر واحترام الكبير ومراعاة مشاعر والعطف على الصغير وكانت الكلمة الواحدة أحيانًا أبلغ من عشرات المحاضرات والخطب.
علمتنا عيب ألا نتدخل فيما لا يعنينا، وألا نفشي أسرار البيوت، وألا نؤذي الجار أو نسخر من الضعيف أو المختلف.
وعلمتنا حرام أن هناك حدودًا أخلاقية ودينية لا ينبغي تجاوزها مهما كانت المغريات. ولم يكن المجتمع يومها مثاليًا، لكنه كان يمتلك بوصلة أخلاقية واضحة، تستند إلى منظومة قيم راسخة تحفظ للناس كرامتهم وللعلاقات الإنسانية توازنها. ولقد عبّر الشاعر العربي قديمًا عن أهمية الأخلاق بقوله: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأخلاق ليست زينة اجتماعية، بل هي أساس العمران الإنساني، وروح المجتمعات الحية. وفي خضم التطور المتسارع، ثرنا على كثير من المفاهيم التقليدية، وطالبنا بتفسيرات أكثر تفصيلًا وإقناعًا من مجرد عبارة عيب أو حرام وكان ذلك مطلبًا مشروعًا في جانب منه، لكننا أخطأنا حين ظننا أن بإمكاننا الاستغناء عن البعد القيمي الذي كانت تحمله هاتان الكلمتان.
أردنا أن نعلّم الأجيال الحديثة بأساليب جديدة غربية دخيلة علي مجتمعنا الإسلامي العربي ، لكننا في كثير من الأحيان قدّمنا المعلومات وأهملنا بناء الضمير.
ومنحنا الأبناء حرية الاختيار دون أن نغرس فيهم الحس الأخلاقي الذي يساعدهم على التمييز بين ما يجوز وما لا يليق وبين الحق والباطل والصح والخطأ فكانت النتيجة أن تراجعت بعض المعايير الاجتماعية التي كانت تحفظ للمجتمع توازنه، وأصبح كثير من السلوكيات يُقاس بمدى قانونيتها فقط، لا بمدى لياقتها أو أثرها على الآخرين. ونسينا قول الشاعر: إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضه فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
وقوله أيضًا: وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له إذا لم يكن في فعله والخلائقِ
إن الحاجة اليوم ليست إلى استعادة الكلمات بحرفتيها، بقدر ما هي حاجة إلى استعادة معانيهما النبيلة نحتاج أن نعيد للأجيال مفهوم الاحترام قبل العقاب، والحياء قبل المنع، والضمير قبل الرقابة. فكلمة عيب كانت تعلم الإنسان مراعاة المجتمع، وكلمة حرام كانت تربطه برقابة الله وبين الرقابتين تكوّنت أجيال عرفت الأدب والتقدير والمسؤولية.
تحية وفاء إلى الآباء والأمهات والأجداد الذين استطاعوا بكلمات قليلة أن يبنوا شخصيات كبيرة، وأن يزرعوا في النفوس بذور الاحترام والإنسانية. رحم الله زمنًا كانت فيه كلمة واحدة تصنع إنسانًا، وتحية لكل قيمة جميلة ما زالت تقاوم الغياب.
تحية من القلب للفقيدة كلمة عيب وحرام ولكل الأجداد والآباء الذين استطاعوا أن يجدوا كلمة واحدة يبنوا بها أجيالاً تعرف الأدب والتقدير والاحترام في الوقت الذي أخفقت محاولاتنا بكل أبجديات التربية المتطورة ، وربما لم تمت عيب وحرام تمامًا، لكنها تنتظر من يبعث فيهما الحياة من جديد، لا بوصفهما كلمتين للتخويف، بل باعتبارهما عنوانين لقيم نبيلة يحتاجها مجتمعنا اليوم أكثر من أي وقت مضى ، صلاحُ أمرك للأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم.
وانهي المقالة بالحديث الشريف
قال صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق» (رواه الترمذي).
