الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب: «لماذا لا نهدم جدار برلين العربي والإسلامي؟»

منذ أكثر من قرن، وتحديدًا عام 1916، شهدت المنطقة العربية واحدة من أبرز عمليات إعادة رسم حدودها السياسية، مع اتفاقية سايكس–بيكو بين بريطانيا وفرنسا، في ظل ترتيبات دولية أوسع أعقبت الحرب العالمية الأولى.

رسمت القوى الاستعمارية آنذاك خطوطًا جديدة على الخريطة. وأسهمت هذه الترتيبات في تشكيل حدود سياسية قسمت مناطق كانت تجمعها روابط تاريخية وثقافية ودينية ولغوية.

وعلى مدار التاريخ، استطاعت شعوب المنطقة مواجهة تحديات كبرى. كما تمكنت في مراحل مختلفة من توحيد جهودها لمواجهة أخطار خارجية هددت وجودها واستقرارها.

وفي المقابل، يمكن النظر إلى تجربة أوروبا الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية.

فقد انقسمت ألمانيا إلى شرقية وغربية. وأصبح جدار برلين، الذي شُيد عام 1961، رمزًا لانقسام الشعب الألماني.

لكن هذا الجدار لم يستمر إلى الأبد. ففي عام 1989 سقط جدار برلين، وبدأت مرحلة جديدة من إعادة بناء العلاقات بين شرق ألمانيا وغربها.

وبعد الحرب العالمية الثانية، شهدت أوروبا مسارًا طويلًا من التعاون السياسي والاقتصادي. وتطورت مؤسسات التكامل الأوروبي تدريجيًا.

ويعد نظام «شنغن» أحد أبرز نماذج التعاون الأوروبي في مجال حرية الحركة. ويضم حاليًا 29 دولة، ويتيح التنقل دون ضوابط حدودية داخلية بين الدول المشاركة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا استطاعت دول أوروبية تجاوز جانب كبير من خلافاتها؟ ولماذا لا نخطو نحن خطوات مماثلة نحو مزيد من التكامل العربي والإسلامي؟

لا شك أن التجربة الأوروبية لم تُبنَ على عامل واحد. فقد قامت على مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية مشتركة، وعلى مؤسسات واتفاقات وآليات للتنسيق بين الدول.

أما العالم العربي، فما زالت الحدود والإجراءات المختلفة بين الدول تمثل تحديًا أمام حركة المواطنين ورؤوس الأموال والسلع.

فقد يحتاج المواطن العربي إلى تأشيرات وإجراءات إدارية متعددة للانتقال بين دول عربية شقيقة. كما تختلف القواعد المنظمة للتجارة والاستثمار والتنقل من دولة إلى أخرى.

ومن هنا، فإن حلم التكامل العربي ليس مستحيلًا. وقد تبدأ الخطوة الأولى من تسهيل حركة المواطنين، وتبسيط إجراءات التأشيرات، وتطوير النقل البري والبحري والجوي بين الدول العربية.

ويمكن أن يمتد التعاون بعد ذلك إلى التجارة والاستثمار والطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية.

أما التعاون الأمني والعسكري، فيمكن أن يمثل أحد مسارات العمل المشترك، وفق اتفاقات واضحة تحترم سيادة الدول ومصالحها الوطنية.

وقد تبنى عدد من القادة المصريين، عبر عقود مختلفة، دعوات لتعزيز التضامن العربي والتعاون المشترك.

وفي عام 2015، أقرت القمة العربية في شرم الشيخ مبدأ إنشاء قوة عربية مشتركة، وشُكل فريق رفيع المستوى لدراسة الجوانب المتعلقة بإنشائها.

ويطرح ذلك سؤالًا آخر: لماذا لم يتحول هذا المسار إلى مشروع مؤسسي مكتمل حتى الآن؟

في تقديري، تحتاج المرحلة الراهنة إلى إعادة التفكير في آليات العمل العربي المشترك. ولا يعني ذلك إلغاء المؤسسات القائمة، وإنما تطويرها ومنحها أدوات أكثر فاعلية.

وتأتي جامعة الدول العربية في مقدمة هذه المؤسسات. فقد تأسست عام 1945 بهدف تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول العربية، والدفاع عن مصالحها المشتركة.

وفي عام 2026، تظل فاعلية العمل العربي المشترك مرتبطة بقدرة الدول الأعضاء على تجاوز اختلاف المواقف، وتطوير آليات تنفيذ القرارات، وتعزيز التعاون الاقتصادي.

كما تحتاج المنطقة إلى آليات أكثر فاعلية لتسوية النزاعات. وتحتاج كذلك إلى مشروعات مشتركة تتجاوز البيانات السياسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

ولا يمكن أن يتحقق التكامل العربي من خلال الشعارات وحدها. فالاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والنقل والتعليم تمثل أدوات عملية لبناء المصالح المشتركة.

كما أن تسهيل حركة المواطنين بين الدول العربية يمكن أن يكون بداية مهمة. فالتكامل الحقيقي يبدأ من مصالح الناس، ثم ينتقل إلى المؤسسات والاقتصادات.

ولعل التجارب التاريخية تقدم لنا دروسًا مهمة. فقد سقطت بغداد أمام المغول عام 1258، بينما انتهى الحكم الإسلامي في الأندلس بسقوط غرناطة عام 1492 في يد الملوك الكاثوليك.

ولا يعني استحضار هذه الأحداث إسقاط الماضي بصورة مباشرة على الحاضر. لكنه يذكرنا بأهمية الوحدة والتعاون في مواجهة التحولات الكبرى.

حان الوقت، في رأيي، لهدم الجدران الوهمية التي تفصل بين شعوب المنطقة. ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات عملية نحو مزيد من التعاون والتكامل.

إن بناء مستقبل عربي أكثر تكاملًا لا يتطلب إلغاء خصوصية الدول. بل يحتاج إلى صياغة مصالح مشتركة تحمي استقلالها، وتزيد قدرتها على مواجهة التحديات.

وفي الختام، أذكر نفسي وإياكم بقول الله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103].

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا»، ثم شبك بين أصابعه.

رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى