تامر الجندي يكتب: «فخ الخيول الميتة.. لماذا تصر الشركات على إحياء ما انتهى؟»

كم مشروعًا داخل الشركات يعلم الجميع أنه انتهى، ومع ذلك يستمر؟ ففي كواليس الإدارة تتردد حكاية ساخرة تُعرف بـ”نظرية الحصان الميت”، وفكرتها بسيطة: إذا اكتشفت أنك تركب حصانًا ميتًا، فالقرار المنطقي هو أن تنزل عنه. لكن ما يبدو بديهيًا في الحكمة يتحول في الواقع إلى معضلة؛ فبدلًا من التوقف، تبدأ محاولات مستميتة لإبقاء المشروع قائمًا عبر اجتماعات مطولة ولجان دراسة، وكأننا نحاول “تجميل” الفشل بدلًا من مواجهته بشجاعة.

وهذا الإصرار الغريب له تفسير نفسي يُسمى “مغالطة التكلفة الغارقة”؛ فنحن نجد صعوبة في التراجع لأننا استثمرنا وقتًا وجهدًا ومالًا، فنستمر… فقط لأننا بدأنا! وهنا يتحول السؤال من “هل المشروع ناجح؟” إلى “كيف نبرر استمرارنا فيه؟”. فالتراجع في هذه الحالة لا يُنظر إليه كقرار مالي حكيم، بل كاعتراف مرّ بالفشل، وهو ما تخشاه الكثير من الإدارات التي تُقدّس الاستمرارية ولو كانت على طريق مسدود.

والتاريخ لا يرحم من يتمسك بـ”خيوله الميتة“؛ فشركة “كوداك” سقطت لأنها أبت التضحية بـ”حصان” الأفلام التقليدية أمام زحف التصوير الرقمي، و”نوكيا” تراجعت حين تأخرت في إدراك أن نظام تشغيلها لم يعد صالحًا لسباق الهواتف الذكية. وهذه الدروس تؤكد أن الأزمة ليست في وقوع الخطأ، بل في استنزاف طاقة الشركة للدفاع عن قرارات تجاوزها الزمن، بينما القيادة الحقيقية هي التي تملك “شجاعة التوقف” لإنقاذ ما تبقى من موارد.

إن الاستمرارية في المسار الخاطئ ليست إصرارًا، بل هي استنزاف متعمد لمستقبل الشركة وطاقتها. فالنجاة من هذا الفخ تبدأ بوضع معايير واضحة قبل بداية أي رحلة: متى نتوقف؟ وكيف نخرج بأقل الخسائر؟ وتذكر دائمًا أن المشكلة ليست في أن نخطئ في الاختيار، بل في أن نستمر فيه بعد أن نعرف يقينًا أنه خطأ؛ فالخيول الميتة لا تجري مهما كانت براعة الفارس، ومهما بلغت جودة السوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى