رامي زُهدي يكتب :«الاندماج المالي الإفريقي وأثره على السيادة الاقتصادية للدول»
خبير الشؤون الإفريقية

في عالم تتسارع فيه حركة رؤوس الأموال وتتداخل فيه الأسواق بصورة غير مسبوقة، لم يعد الحديث عن السيادة الاقتصادية منفصلا عن بنية النظام المالي الإقليمي والدولي.
وفي إفريقيا، حيث تتلاقى تحديات التنمية مع طموحات التكامل، يبرز الاندماج المالي كأحد أهم المسارات الاستراتيجية القادرة على إعادة تشكيل موازين القوة داخل القارة وخارجها، غير أن السؤال الجوهري يبقى هل يقود الاندماج المالي إلى تعزيز السيادة الاقتصادية للدول الإفريقية أم إلى تآكلها في ظل انفتاح غير محسوب؟
تشير بيانات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للقارة تجاوز 3 تريليونات دولار في السنوات الأخيرة، بينما لا تزال نسبة التجارة البينية الإفريقية تدور حول 15 الى 18 في المئة فقط من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بأكثر من 60 في المئة في الاتحاد الأوروبي، وهذه الفجوة تعكس اختلالا هيكليا في الروابط الاقتصادية والمالية بين الدول الإفريقية، حيث تعتمد كثير من الاقتصادات على أسواق خارج القارة لتصريف صادراتها أو للحصول على التمويل والاستثمار.
الاندماج المالي، في تعريفه العملي، يعني تسهيل حركة رؤوس الأموال بين الدول، وتنسيق السياسات النقدية، وربما الوصول مستقبلا إلى ترتيبات نقدية مشتركة أو أنظمة دفع إقليمية موحدة، وقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، من بينها إطلاق نظام الدفع والتسوية الإفريقي الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في تسوية المعاملات التجارية بين الدول الإفريقية، وبالتالي وبمثل هذه المبادرات نصل الي أوضاع ايجابية افضل تحمل بعدا سياديا واضحا، إذ تساهم هذه الحلول في خفض تكلفة المعاملات وتقليص التعرض لتقلبات العملات العالمية.
غير أن الاندماج المالي ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو خيار سياسي بامتياز، فالدول التي تفتح أسواقها المالية دون بناء أطر رقابية قوية قد تجد نفسها عرضة لتقلبات رؤوس الأموال الساخنة، وهو ما شهدته بعض الاقتصادات الناشئة عالميا خلال أزمات مالية سابقة.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن التدفقات الرأسمالية قصيرة الأجل يمكن أن تتسبب في تقلبات حادة في أسعار الصرف وأسواق المال إذا لم تقترن بسياسات احترازية كلية فعالة.
في المقابل، فإن الاندماج المالي المنظم يمكن أن يعزز القدرة التفاوضية للقارة في مواجهة المؤسسات المالية الدولية، فحين تتحدث الأسواق الإفريقية بصوت موحد، وتنسق سياساتها المصرفية والرقابية، تصبح أكثر قدرة على جذب استثمارات طويلة الأجل في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة.
وتشير تقارير إلى أن فجوة تمويل البنية التحتية في إفريقيا تتراوح بين 70 و100 مليار دولار سنويا، وهي فجوة لا يمكن سدها دون تعبئة موارد محلية وإقليمية بكفاءة أعلى.
من زاوية السيادة الاقتصادية، لا يعني الانخراط في منظومة مالية إقليمية فقدان الاستقلال، بل قد يكون أداة لتعزيزه إذا ما تم تصميمه وفق مصالح الدول الأعضاء، والتجربة الأوروبية تقدم نموذجا معقدا في هذا الصدد، حيث أفضى الاتحاد النقدي إلى مكاسب كبيرة لبعض الدول، لكنه كشف أيضا عن تحديات تتعلق بمرونة السياسات الوطنية.
والدرس المستفاد لإفريقيا هنا، هو أن أي مسار نحو تنسيق نقدي أعمق يجب أن يراعي التباينات الهيكلية بين الاقتصادات الإفريقية، من حيث مستويات التضخم، وحجم الدين العام، وهيكل الإنتاج.
وكذلك فإن توحيد أو تنسيق السياسات المصرفية والرقابية يمثل خطوة أولى أقل حساسية من الوحدة النقدية الشاملة، فتعزيز التعاون بين البنوك المركزية الإفريقية، وتبادل المعلومات حول المخاطر النظامية، وإنشاء أطر مشتركة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كلها عناصر تعزز الاستقرار دون المساس المباشر بالأدوات السيادية للدول، كما أن تطوير أسواق رأس المال المحلية وربطها إقليميا يمكن أن يتيح للشركات الإفريقية الوصول إلى تمويل أوسع دون اللجوء المفرط إلى الأسواق الخارجية.
لا يمكن إغفال البعد السياسي للاندماج المالي، فالثقة بين الدول شرط أساسي لأي تنسيق عميق، وفي قارة عانت تاريخيا من تفاوتات في مستويات التنمية ومن أزمات ديون متكررة، يصبح بناء الثقة المؤسسية مسارا تدريجيا يتطلب شفافية في البيانات المالية، وانضباطا في السياسات العامة، وآليات واضحة لتسوية النزاعات، والاتحاد الإفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية يوفران إطارا سياسيا يمكن البناء عليه لتعميق التكامل المالي بشكل مدروس.
من منظور مصري، يمثل الاندماج المالي الإفريقي فرصة استراتيجية لتعزيز الروابط الاقتصادية مع دول القارة، وتوسيع دور البنوك والمؤسسات المالية المصرية في الأسواق الإفريقية.
مصر، باقتصاد يتجاوز 400 مليار دولار، وبقطاع مصرفي يتمتع بدرجة من الاستقرار النسبي، تستطيع أن تلعب دورا محوريا في دفع مبادرات الربط المالي، شريطة أن يتم ذلك في إطار يحفظ التوازن بين الانفتاح والحماية الاحترازية.
الاندماج المالي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق تنمية أكثر استدامة وتوازنا، وإذا ما أسيء تصميمه، قد يتحول إلى قناة لنقل الأزمات بدلا من احتوائها، أما إذا أحسن توظيفه، فيمكن أن يصبح رافعة للسيادة الاقتصادية، عبر تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي المشروط، وتعزيز القدرة على تعبئة المدخرات المحلية وتوجيهها نحو أولويات التنمية.
في النهاية، تكمن المعادلة الدقيقة في الجمع بين الانفتاح والانضباط، بين التكامل والخصوصية الوطنية.
وإفريقيا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعها في النظام المالي العالمي، ليس كمتلق للقرارات، بل كشريك فاعل.
والرهان الحقيقي هو أن يتحول الاندماج المالي إلى منصة لتعزيز القرار الوطني، لا إلى قيد جديد على إرادة الدولة، عندها فقط يمكن القول إن السيادة الاقتصادية لم تتآكل، بل أعيد تعريفها في إطار قاري أكثر قوة وتماسكا.





