الدكتور وليد فاروق يكتب: « التوكنات اليهودية في مصر.. تاريخ على وجهي عملة »

قبل أكثر من قرن، لم تكن واجهات محال الصاغة في القاهرة والإسكندرية تعرض الذهب والمجوهرات وحدها، فقد ظهرت بين أيدي التجار والزبائن قطع معدنية تشبه النقود، تحمل صور الملوك والزعماء، وأسماء الصاغة والعلامات التجارية، وأحيانًا شعارات سياسية ودينية، لكنها لم تكن عملة رسمية تصدرها الدولة.

عرفت هذه القطع باسم «التوكن» Token أو «الجيتون»، وأطلق على بعضها «الفانتازيا»، وانتشرت في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، لأغراض متعددة؛ من الإعلان عن محال الصاغة إلى الهدايا والتذكارات، مرورًا بالمناسبات السياسية والاجتماعية والرياضية.

وكان للصاغة والتجار اليهود حضور لافت في هذه الظاهرة، شأنهم شأن عدد من الجاليات والطوائف التي عاشت وعملت في مصر، لكن القطع المرتبطة باليهود تكتسب أهمية خاصة؛ لأنها تكشف على وجهي قطعة معدنية صغيرة جانبًا من تاريخ الجالية وعلاقتها بالتجارة والحركة الوطنية المصرية، ثم لاحقًا ظهور النشاط الصهيوني، فضلًا عن الحياة الاجتماعية والرياضية لليهود في مصر.

ولم تكن «التوكنات اليهودية» عملة خاصة باليهود، ولم تتمتع بقوة إبراء قانونية، وإنما كانت في معظمها قطعًا تجارية أو تذكارية أو ميداليات، ارتبطت بصاغة وتجار ومؤسسات يهودية، أو حملت أسماء ورموزًا ودلالات يهودية.

الصاغة اليهود يدخلون عالم «الفانتازيا»

ساعدت طبيعة سوق النقد والذهب في مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على انتشار هذا النوع من القطع.

فإلى جانب النقود المصرية، عرفت السوق عملات عثمانية وأوروبية، كما احتفظت العملات الذهبية الأجنبية والعثمانية بحضورها، وتحولت بعض أشكال النقود نفسها إلى مصدر إلهام للصاغة، الذين صنعوا قطعًا تحاكي العملات المعروفة لاستخدامها في الحلي والزينة أو كهدايا وتذكارات.

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الظاهرة الصائغ اليهودي سليم موسى ليفي، الذي نسبت إليه قطع تحاكي بعض العملات الأوروبية، وبينها نماذج على هيئة الريال الإسباني وصور حكام إسبانيا، وظهرت منها قطع فضية بأحجام وفئات مختلفة.

لكن الاستخدام لم يكن جماليًا فقط، إذ أدرك الصاغة مبكرًا أن القطعة المعدنية التي تحمل اسم المحل أو علامته التجارية يمكن أن تتحول إلى إعلان يبقى مع صاحبه سنوات طويلة.

وظهر ذلك بوضوح مع العلامات التي عملت في صناعة ما عرف بـ«الذهب القشرة»، ومن بينها «الجمل» و«السمكة» و«الزرافة»، حيث كانت المشغولات تصنع من معدن أساس، غالبًا النحاس، وتغطى بطبقة من الذهب، لتقديم منتجات أقل سعرًا من المصوغات الذهبية التقليدية.

وهكذا أصبحت بعض التوكنات امتدادًا للدعاية التجارية؛ تحمل اسم الصائغ أو علامته، وفي الوقت نفسه تصنع في هيئة قطعة جميلة قابلة للاحتفاظ بها أو استخدامها في الزينة.

«تحيا مصر».. على توكن صائغ يهودي

غير أن أكثر التوكنات إثارة ليست تلك التي روجت للذهب والمجوهرات، وإنما القطع التي انتقلت من التجارة إلى السياسة.

ففي سنوات تصاعد الحركة الوطنية المصرية، ظهرت قطع منسوبة إلى صاغة يهود تحمل شعارات مصرية، من بينها نماذج ارتبطت باسم الصائغ اليهودي ليتو حاييم ليفي، وتحمل اسمه واسم ابنه «فيتا» في مصر، بينما ظهرت على الوجه الآخر عبارات من قبيل «تحيا مصر» و«يحيا الاتحاد»، ورموز تجمع بين الهوية المصرية واليهودية.

وتعكس مثل هذه القطع مناخًا مختلفًا عن الصورة التي قد ترسمها العقود اللاحقة للعلاقة بين اليهود والمجتمع المصري؛ إذ كان قطاع من اليهود المصريين مندمجًا في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبلاد، وكان التعبير عن الانتماء الوطني حاضرًا حتى في الدعاية التجارية.

كما ارتبط اسم التاجر اليهودي ليتو مراد، صاحب علامة «الجمل» للمصوغات، بقطع تحمل رموزًا مصرية مثل الأهرامات والنيل، وعبارات وطنية من بينها «فلتحيا مصر» و«يحيا الوطن ويحيا الاتحاد»، إلى جانب نجمة داود.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات تلك القطع؛ فوجود نجمة داود على توكن مصري في تلك الفترة لا يعني تلقائيًا أنه يحمل مضمونًا صهيونيًا، إذ كانت النجمة تستخدم باعتبارها رمزًا يهوديًا أيضًا، بينما تكشف بقية النقوش والعبارات عن السياق الذي صدرت فيه القطعة.

ومن ثم يصبح التوكن في هذه الحالة وثيقة اجتماعية وسياسية، لا مجرد قطعة من المعدن.

«الجمل».. من الصاغة إلى النحاس باشا

لم تتوقف شركة «الجمل» عند الترويج لمنتجاتها، فقد استمرت في إصدار قطع مرتبطة بالمناسبات والشخصيات العامة.

وتظهر بين القطع المنسوبة إليها نماذج للاحتفاء بالزعيم الوفدي مصطفى النحاس باشا، تحمل صورته وعبارات من بينها «يعيش الملك ويحيا الوفد – هدية من مصوغات الجمل».

كما ارتبطت بها قطع تذكارية لمناسبات اقتصادية وتجارية، وهو ما يكشف كيف تجاوز التوكن وظيفته الإعلانية المباشرة، ليصبح وسيلة يربط بها التاجر علامته التجارية بحدث أو شخصية معروفة لدى الجمهور.

كانت الفكرة بسيطة: يحصل المواطن على قطعة تحمل صورة شخصية يحبها أو مناسبة يتذكرها، بينما يبقى اسم محل الصاغة على الوجه الآخر.

إنها، بلغة عصرنا، واحدة من صور التسويق بالعلامة التجارية، ولكن على قطعة معدنية بدلًا من الإعلان المطبوع أو الرقمي.

قطاوي باشا.. اليهودي الذي أصبح وزيرًا للمالية

وإذا كانت بعض القطع توثق نشاط التجار، فإن الميداليات المرتبطة بـيوسف أصلان قطاوي باشا تنقلنا إلى مستوى آخر من حضور اليهود في الحياة المصرية.

ولد قطاوي عام 1862، وينتمي إلى واحدة من أشهر العائلات اليهودية المصرية، وكان رجل أعمال وسياسيًا بارزًا، وتولى وزارة المالية عام 1924، ثم وزارة المواصلات في العام التالي، كما تولى رئاسة الطائفة اليهودية في القاهرة منذ عام 1924 وحتى وفاته عام 1942.

وارتبط اسمه بميدالية تحمل صورته واسمه بالإنجليزية، وتحمل توقيع الفنان الفرنسي S. E. Vernier، وتوجد نماذج موثقة منها ترجع إلى عشرينيات القرن الماضي.

ولا تروي هذه الميدالية تاريخ رجل يهودي فحسب، وإنما تسجل مرحلة كان فيها أحد أبناء الجالية اليهودية المصرية يشغل حقيبة المالية في الحكومة المصرية، في وقت كانت فيه عائلات يهودية مثل قطاوي وسوارس تلعب أدوارًا بارزة في الاقتصاد والأعمال.

من الوطنية المصرية إلى «صهيون»

لكن الصورة لم تبق على حالها، فمع تصاعد الحركة الصهيونية وتطور الأحداث في فلسطين، بدأت تظهر قطع ذات مضمون مختلف تمامًا، تحمل رموزًا وشعارات صهيونية صريحة.

واللافت أن إحدى هذه القطع موثقة باعتبارها ميدالية صدرت في مصر عام 1920، وتحمل بالعبرية عبارة تشير إلى «عام الخلاص»، إلى جانب نجمة داود ورموز يهودية.

وقد ظهرت نماذج منها في سوق المزادات الدولية، ووُصفت بأنها مصنوعة من معدن أبيض يرجح أن يكون الفضة أو الكوبرونيكل.

وتكشف القطعة عن وجود تعبير صهيوني داخل جانب من الجالية اليهودية في مصر في تلك المرحلة، بالتزامن مع التحولات التي شهدتها فلسطين عقب الحرب العالمية الأولى.

وفي العام نفسه، صدرت قطع تذكارية في فلسطين احتفاء بتعيين هربرت صموئيل أول مفوض سامٍ بريطاني لفلسطين.

وحملت إحدى الميداليات صورته واسمه بالعبرية والإنجليزية وتاريخ 1920، بينما حمل الوجه الآخر كلمة «صهيون» بالعبرية داخل نجمة داود، إلى جانب عبارة «المفوض السامي لفلسطين – أرض إسرائيل»، وهي قطعة موثقة في كتالوجات المزادات، يبلغ قطرها نحو 24 ملليمترًا.

وكان تعيين صموئيل حدثًا بالغ الدلالة لدى الحركة الصهيونية؛ فقد تولى منصب المفوض السامي عام 1920، واستقبلت أوساط يهودية تعيينه بحفاوة كبيرة.

إلا أن التمييز هنا ضروري: ميدالية هربرت صموئيل مرتبطة بفلسطين وليست إصدارًا مصريًا لمجرد العثور عليها أو تداولها في مصر، بينما توجد قطع أخرى موثقة باعتبار مصر نفسها بلد إصدارها.

اليهود يسجلون انتصاراتهم الرياضية على المعدن

وفي الثلاثينيات والأربعينيات وأوائل الخمسينيات، ظهرت الميدالية والتوكن في مساحة مختلفة تمامًا: الرياضة.

فقد عرفت مصر عددًا من الأندية والجمعيات الرياضية اليهودية، خصوصًا في القاهرة والإسكندرية، وكانت الرياضة جزءًا من النشاط الاجتماعي للجالية.

ومن القطع الباقية من هذه المرحلة ميداليات مرتبطة بنادي المكابي في الإسكندرية، بينها نماذج مرتبطة ببطولات كرة السلة، تحمل شعار النادي ونجمة داود وكتابات عبرية، إلى جانب اختصارات لاتحاد المكابي.

كما عرفت قطع مرتبطة بنادي زليخة ومسابقاته الرياضية، بينها ميدالية تحمل عبارة Coupe Zilkha 1952، بينما يظهر على الوجه الآخر رياضيون يمارسون كرة السلة.

وتختلف قيمة هذه القطع عن التوكن التجاري أو السياسي؛ فهي سجل لحياة يومية اختفت مؤسسات كثيرة منها، وتحفظ أسماء أندية وبطولات ولاعبين كانوا جزءًا من المشهد الرياضي والاجتماعي في مصر.

وهل صنع اليهود توكنات من الذهب؟

يبقى السؤال الأكثر إثارة بالنسبة لهواة الذهب والمسكوكات: هل كانت هناك توكنات يهودية مصرية مصنوعة من الذهب؟

الإجابة حتى الآن تحتاج إلى الحذر ، فالصاغة الذين أصدروا بعض هذه القطع كانوا يعملون أساسًا في الذهب والمجوهرات، وبعض العلامات اشتهرت بإنتاج «الذهب القشرة»، كما أن صناعة الميداليات المصرية عرفت تاريخيًا استخدام الذهب والفضة والبرونز والنحاس والمعادن المطلية.

لكن ارتباط القطعة بصائغ، أو ظهورها باللون الذهبي، لا يعني أنها مصنوعة من الذهب الخالص.

وحتى الآن لا تتوافر، ضمن المصادر وكتالوجات المزادات المفتوحة التي أمكن مراجعتها، أدلة كافية للجزم بوجود توكن تجاري يهودي مصري من الذهب المصمت، أما القطعة الصهيونية المصرية الموثقة من عام 1920، فوصفت بأنها من معدن أبيض، يرجح أن يكون فضة أو كوبرونيكل، بوزن 8.693 جرام وقطر 30 ملليمترًا.

ولا يستبعد ذلك ظهور قطعة ذهبية موثقة مستقبلًا؛ فالعديد من هذه الإصدارات نادر، وجزء كبير منها موجود في مجموعات خاصة ولم يخضع بعد لفهرسة علمية شاملة.

ذاكرة مصر على قطعة معدنية

لم تكن التوكنات اليهودية في مصر مجرد نقود مقلدة، ولا يمكن اختزالها كذلك في الرمز الديني الموجود عليها.

فخلال عدة عقود تغير مضمونها بتغير المجتمع نفسه ، هناك صائغ يهودي يضع اسمه على قطعة للدعاية لمتجره، وآخر يجمع نجمة داود مع شعارات «تحيا مصر» و«يحيا الاتحاد»، وشركة مصوغات تحتفي بمصطفى النحاس باشا، وميدالية تحمل صورة وزير المالية اليهودي يوسف قطاوي، ثم قطع أخرى تحمل خطابًا صهيونيًا، قبل أن تنقلنا الميداليات الرياضية إلى ملاعب أندية اليهود في الإسكندرية والقاهرة.

ولهذا تبدو هذه القطع اليوم أكبر كثيرًا من حجمها المادي ، فالتوكن الذي كان قبل مائة عام هدية من محل صاغة، أو تذكارًا لبطولة كرة سلة، أو تعبيرًا عن موقف سياسي، أصبح اليوم وثيقة صغيرة من المعدن، يمكن من خلالها قراءة جانب من تاريخ اليهود في مصر، وعلاقتهم بالصاغة والتجارة والسياسة والرياضة، والتحولات التي شهدتها الجالية منذ اندماجها الواسع في الحياة المصرية وحتى السنوات التي سبقت رحيل معظم أفرادها عن البلاد في منتصف القرن العشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى