40 تريليون دولار وعائد 5.34%.. ريكاردز يضع التضخم والذهب في قلب أزمة الدين الأمريكي

مع تجاوز الدين الأمريكي 40 تريليون دولار وارتفاع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.34%، عاد النقاش حول قدرة الولايات المتحدة على تحمل تكلفة الاقتراض إلى واجهة الأسواق، وسط تزايد أعباء خدمة الدين ومخاوف استمرار التضخم.

ويرى جيم ريكاردز، المحامي والمؤلف المتخصص في الأسواق والاقتصاد، أن الولايات المتحدة لن تسدد الدين الوطني بالمعنى التقليدي، بل ستعتمد على استمرار إعادة تمويله، معتبراً أن التضخم يمكن أن يخفض القيمة الحقيقية للديون المقومة بالدولار مع مرور الوقت.

وفي المقابل، يعتقد ريكاردز أن الذهب والأصول الحقيقية يمثلان وسيلة لحماية المدخرات من تآكل القوة الشرائية للعملة إذا ظلت الضغوط التضخمية مرتفعة.

40 تريليون دولار.. والاقتراض الأمريكي يصبح أكثر تكلفة

تجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار في أغسطس 2026، بينما تتجه تكلفة الفوائد إلى مستويات تاريخية مرتفعة.

وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس إلى أن صافي مدفوعات الفائدة على الدين سيتجاوز تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، مقارنة بنحو 970 مليار دولار في 2025، مع استمرار ارتفاع تكلفة خدمة الدين نتيجة نمو حجم الاقتراض.

وتزداد الضغوط عندما ترتفع عوائد السندات؛ إذ بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات 5.34% يوم الخميس، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002، قبل أن يتراجع لاحقًا من ذروة الجلسة.

ومع كل ارتفاع في العائد، تصبح إعادة تمويل الديون المستحقة أكثر تكلفة، خصوصًا مع اعتماد الخزانة الأمريكية على إصدار سندات جديدة لسداد آجال سابقة وتمويل العجز.

ريكاردز: لا حاجة لسداد الدين بالكامل

يرى ريكاردز أن التعامل مع الدين الحكومي لا يتطلب الوصول إلى نقطة يتم فيها سداد أصل الدين بالكامل، وإنما يعتمد بصورة أساسية على قدرة الحكومة على إعادة تمويل الالتزامات والمحافظة على تكلفة اقتراض يمكن تحملها.

لكن وجهة نظره تذهب أبعد من ذلك؛ إذ يعتبر أن التضخم يمثل إحدى الآليات التي يمكن أن تخفف العبء الحقيقي للدين، لأن ارتفاع الأسعار يخفض القيمة الفعلية للالتزامات التي تم تحديدها اسميًا بالدولار.

وهذا يعني أن الدين قد يواصل الارتفاع بالقيمة الاسمية، بينما تنخفض نسبته إلى حجم الاقتصاد إذا نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بوتيرة أسرع من نمو الالتزامات.

ما بعد الحرب العالمية الثانية.. الدين ينخفض كنسبة من الاقتصاد

يستشهد ريكاردز بما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تراجعت نسبة الدين الفيدرالي إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 118% عام 1946 إلى قرابة 31% في 1981، رغم أن القيمة الاسمية للدين لم تتوقف عن الارتفاع.

وتؤكد بيانات مكتب الإدارة والميزانية والاحتياطي الفيدرالي، عبر سلسلة البيانات التاريخية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، التراجع الكبير في نسبة الدين إلى الناتج خلال تلك الفترة.

غير أن تفسير هذه الفترة ليس اقتصاديًا واحدًا؛ فارتفاع الناتج الحقيقي والنمو الاقتصادي، إلى جانب التضخم، ساهما في خفض نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد، لذلك لا يعني المثال التاريخي أن التضخم وحده هو العامل المحدد لمسار الدين.

التضخم عند 3%.. الأسعار ترتفع حتى عندما يتباطأ التضخم

تأتي هذه الرؤية بينما لا يزال التضخم الأمريكي أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

وأظهرت أحدث بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي أن التضخم الأساسي ارتفع 3% على أساس سنوي في أغسطس 2026، بينما زاد المؤشر العام 3.4%، مع ارتفاع شهري بلغ 0.2% للأساسي و0.3% للمؤشر العام.

ويرى ريكاردز أن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار نفسها؛ فتباطؤ معدل الزيادة يعني أن الأسعار تواصل الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ.

وبهذه القراءة، يرى أن استمرار التضخم لسنوات طويلة يمكن أن يؤدي إلى تآكل تدريجي في القوة الشرائية للدولار، وهو ما يجعل المدخرين أكثر تعرضًا للخسائر الحقيقية حتى عندما لا تظهر موجة تضخم حادة في كل عام.

الذهب يدخل المعادلة كأصل حقيقي

في مواجهة هذا السيناريو، يركز ريكاردز على الذهب والأصول المادية باعتبارها أصولًا يمكن أن تحتفظ بقيمتها الاسمية أو تعيد تسعير نفسها مع انخفاض القوة الشرائية للعملة.

ويستشهد بما حدث للاحتياطيات الروسية من الذهب بعد تجميد الدول الغربية جزءًا كبيرًا من الاحتياطيات الروسية في الخارج عام 2022، معتبرًا أن الذهب الذي احتُفظ به داخل روسيا لم يكن عرضة للإجراء نفسه.

لكن هذه الرؤية تظل تفسيرًا استثماريًا لريكاردز وليست نتيجة رسمية تثبت أن الذهب هو البديل الأفضل للمدخرات.

روسيا تحتفظ بأكثر من 73 مليون أوقية من الذهب

تظهر بيانات البنك المركزي الروسي أن احتياطيات الذهب النقدي بلغت نحو 73.2 مليون أوقية، أو قرابة 2280 طنًا، في بداية أغسطس 2026، بعد انخفاضها بنحو 50 طنًا منذ بداية العام.

وبالتالي، فإن القيمة الكبيرة لحيازة الذهب الروسية لا تعني بالضرورة أن موسكو حققت أرباحًا من بيع الذهب كما يورد ريكاردز، بل إن جزءًا من ارتفاع قيمة الاحتياطيات يرتبط بارتفاع السعر العالمي للمعدن.

وتظل المقارنة بين سعر الذهب في 2022 وسعره الحالي مؤشرًا على مكاسب إعادة التقييم للحيازات الموجودة، وليس دليلًا على تدفقات نقدية محققة ما لم يتم بيع الذهب فعليًا.

الصين تواصل زيادة احتياطيات الذهب

واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب للشهر الثاني والعشرين على التوالي في أغسطس، مضيفًا نحو 20.2 طن خلال الشهر.

ووصل إجمالي حيازته إلى نحو 2387 طنًا بنهاية أغسطس، وهو الرقم الذي ينبغي تمييزه عن كمية المشتريات الشهرية؛ إذ إن 2387 طنًا تمثل إجمالي الاحتياطي وليس مشتريات أغسطس وحدها.

ويرى ريكاردز أن استمرار مشتريات البنوك المركزية يوفر للذهب قاعدة طلب طويلة الأجل، حتى إذا واجه المعدن ضغوطًا من ارتفاع الدولار أو العوائد.

عوائد السندات عند مستويات لم يشهدها السوق منذ 2002

تتزامن هذه الرؤية مع موجة بيع قوية في أسواق السندات العالمية، دفعت عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ 2002.

وتعكس هذه الزيادة مجموعة من العوامل، من بينها المخاوف بشأن التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وكثافة إصدارات الدين، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالتوازنات المالية للحكومة الأمريكية.

ويجعل ارتفاع العائد السندات أكثر جاذبية مقارنة ببعض الأصول التي لا تدر دخلًا دوريًا، وفي مقدمتها الذهب، لكن استمرار التضخم أو تراجع الثقة في الدولار يمكن أن يعيد دعم الطلب على المعدن.

خفض التضخم لا يعني انتهاء أزمة القوة الشرائية

يتوقع ريكاردز أن يؤدي التباطؤ المحدود في التضخم إلى تخفيف بعض الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي، لكنه لا يرى في ذلك دليلًا على انتهاء المشكلة.

وتشير بيانات أغسطس إلى أن التضخم الأساسي لا يزال عند 3% سنويًا، أي أعلى بنقطة مئوية كاملة من هدف البنك المركزي، في وقت تظل فيه أسعار الفائدة والعوائد طويلة الأجل مرتفعة.

ولهذا يتوقع ريكاردز بقاء الاحتياطي الفيدرالي دون تغيير في اجتماع أكتوبر، مع ترجيحه زيادة أخرى في ديسمبر. وتظل هذه توقعات شخصية قابلة للتغير مع صدور بيانات التضخم وسوق العمل والظروف المالية.

الذهب بين الفائدة والدين والدولار

يدخل الذهب الربع الأخير من 2026 وسط معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد توقعات أسعار الفائدة.

فارتفاع العوائد يرفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، بينما يؤدي استمرار التضخم وتزايد الدين الحكومي إلى زيادة المخاوف بشأن القوة الشرائية للدولار على المدى الطويل.

وبالتالي، فإن قصة الذهب في المرحلة المقبلة ستعتمد على التوازن بين مسار التضخم، وعوائد السندات، والسياسة النقدية الأمريكية، ومشتريات البنوك المركزية، وهي عوامل قد تدفع المعدن في اتجاهات مختلفة من جلسة إلى أخرى.

وبالنسبة لريكاردز، تظل الفكرة الأساسية أن المدخرين الذين يخشون تآكل قيمة الدولار على المدى الطويل ينظرون إلى الذهب باعتباره أحد الأصول الحقيقية التي يمكن استخدامها للتحوط، بينما يبقى الحكم النهائي على هذا الرهان مرتبطًا بتطور التضخم والعوائد والدولار والأسواق العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى