حاكم مصرف لبنان: «الثقة» المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاحات المالية والرقابية

أكد كريم سعيد، حاكم مصرف لبنان، أن مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تتطلب بناء منظومة مالية متكاملة تقوم على الثقة، والتشريعات الفعالة، والرقابة المستمرة، والتعاون بين الجهات المعنية، مشيرًا إلى أن أي ثغرة في النظام المالي قد تمثل منفذًا لانتقال الأموال غير المشروعة.
وشدد سعيد، خلال كلمته في افتتاح المؤتمر العربي الإقليمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في بيروت، على أهمية الحوار وتبادل الخبرات بين السلطات الرقابية والمؤسسات المالية العربية، إلى جانب مواكبة التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن نجاح أي نظام مالي يعتمد على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في القوانين والأنظمة والمؤسسات والبنية التحتية المالية، والثانية هي الثقة، باعتبارها رأس مال معنويًا يقوم عليه النظام المالي ولا يظهر في الميزانيات.
حاكم مصرف لبنان: الوقاية أكثر فعالية وأقل تكلفة
وأشار حاكم مصرف لبنان إلى أن غسل الأموال وتمويل الإرهاب لا يمثلان مجرد مخالفات مالية تستوجب إجراءات امتثال أو عقوبات، وإنما يشكلان خطرًا على الاقتصاد والمؤسسات وسيادة القانون.
وأكد أن الوقاية تظل أكثر فعالية وأقل تكلفة من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، ما يستلزم بناء منظومة رقابية قادرة على اكتشاف المخاطر والتعامل معها قبل تحولها إلى جرائم مالية مكتملة.
«حلقات النار الثلاث».. مبادرة مصرف لبنان لسد الثغرات
وأشار سعيد إلى مبادرة مصرف لبنان التي أُطلقت عام 2025 تحت اسم «حلقات النار الثلاث»، والتي تستهدف سد الثغرات في منظومة تحويل الأموال ومنع تسلل الأموال غير المشروعة إلى النظام المالي.
وأوضح أن الحلقة الأولى تركز على ضبط الدخول إلى النظام المالي، من خلال تشديد شروط الترخيص والملاءة والحوكمة ومتطلبات «اعرف عميلك».
وتستهدف الحلقة الثانية تعزيز الرقابة على العلاقة بين المصرف والعميل، من خلال المتابعة المستمرة لحركة الأموال والتأكد من هوية المستفيد الحقيقي.
أما الحلقة الثالثة، فتتعلق بـالمصارف الأجنبية المراسلة، من خلال حماية المصارف اللبنانية من مخاطر عدم الامتثال، وتعزيز القدرة على تحديد مصدر الأموال والغرض الاقتصادي منها.
كريم سعيد: مكافحة الأموال غير المشروعة تشمل الفساد والرشوة
وأكد حاكم مصرف لبنان ضرورة توسيع نطاق الاهتمام بمصادر الأموال غير المشروعة، بحيث لا تقتصر جهود المكافحة على تمويل الإرهاب وغسل الأموال المرتبط به.
وأوضح أن المواجهة يجب أن تشمل أيضًا الأموال الناتجة عن الفساد واختلاس الأموال العامة والخاصة والتحويلات المرتبطة بالأشخاص المعرّضين سياسيًا.
وشدد على أن هذه الأنشطة تمثل مخاطر كبيرة على النظام المالي، وتحتاج إلى المستوى نفسه من الحزم والرقابة والتدقيق.
الأصول الرقمية تفرض تحديات جديدة على الرقابة
وفيما يتعلق بالتطور التكنولوجي، أوضح سعيد أن انتشار الأصول الرقمية والعملات المشفرة يفرض تحديات جديدة أمام جهات الرقابة، في ظل إمكانية استخدامها في غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد والرشوة.
وكشف عن عمل مصرف لبنان بالتعاون مع بنك فرنسا المركزي على إعداد أطر تنظيمية جديدة لتنظيم التعامل بالأصول الرقمية والعملات المشفرة وإخضاعها لرقابة فعالة، مع التركيز على متطلبات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
مصرف لبنان ينفذ خطة العمل مع FATF
وأكد حاكم مصرف لبنان أن المصرف يعمل بالتنسيق مع الجهات اللبنانية المعنية على تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي (FATF)، بعد إدراج لبنان على لائحة المراقبة المعززة في أكتوبر 2024.
وأوضح أن الهدف لا يتمثل فقط في استكمال المتطلبات التشريعية، وإنما في إثبات فعالية المنظومة من خلال نتائج قابلة للقياس، تشمل التحقيق في الجرائم المالية، والملاحقات القضائية، وإدانة مرتكبيها، ومصادرة الأموال غير المشروعة.
تعاون عربي لمواجهة الجرائم المالية العابرة للحدود
وشدد سعيد على أن الأموال غير المشروعة لا تتوقف عند الحدود الوطنية، ما يجعل التعاون العربي وتبادل المعلومات بين المصارف المركزية ووحدات المعلومات المالية والسلطات القضائية والرقابية أمرًا ضروريًا.
واختتم حاكم مصرف لبنان بالتأكيد على أن الثقة في النظام المالي لا تُبنى بمجرد الإعلان عن الإصلاحات، وإنما من خلال وضوح القواعد وتطبيق العقوبات والقوانين على الجميع دون استثناء.
واعتبر أن الثقة هي المعيار الحقيقي لقياس نجاح الإصلاحات المالية والرقابية، وأن قوة أي منظومة لمكافحة الجرائم المالية تتحدد بقدرتها على تحويل القوانين والإجراءات إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس.









