الذهب يرتد بعد ضربة 4%.. النفط وويليامز يخففان ضغط الفائدة

استعادت أسعار الذهب جزءًا من خسائرها خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما ارتفع الذهب الفوري بنحو 1.6% إلى 4182.45 دولار للأوقية، في محاولة للتعافي من أكبر موجة هبوط شهدها المعدن خلال الجلسة السابقة، بينما ساعد تراجع النفط وهدوء موجة بيع سندات الخزانة الأميركية في تخفيف الضغوط على الذهب.
وجاء الارتداد رغم استمرار قوة الدولار ورهانات الأسواق على مزيد من التشديد النقدي، إلا أن تراجع أسعار الطاقة وتخفيف أسواق السندات بعض خسائرها، إلى جانب تصريحات رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، منح الذهب مساحة لالتقاط الأنفاس.
وتزامن ذلك مع صدور بيانات اقتصادية أميركية أظهرت تراجع فرص العمل وثقة المستهلك، ما أضاف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الفائدة التي تحرك سوق الذهب في هذه المرحلة.
الذهب يحاول محو آثار خسارة الاثنين
جاء ارتفاع الثلاثاء بعد تراجع حاد للذهب في الجلسة السابقة، عندما تعرض المعدن لضغوط قوية من الدولار وعوائد الخزانة وأسعار الطاقة، وسط تنامي توقعات رفع أسعار الفائدة.
ويعكس ارتداد الثلاثاء محاولة للسوق استعادة بعض التوازن بعد الهبوط القوي، إلا أن المعدن لا يزال يتحرك تحت تأثير مخاوف التضخم والسياسة النقدية الأميركية.
وبحسب بيانات السوق الواردة في المادة، ارتفعت العقود الآجلة للذهب بنحو 1.1% إلى 4182.45 دولار للأوقية.
النفط يهبط ويمنح الذهب متنفسًا
شكل تراجع أسعار النفط أحد أهم العوامل التي ساعدت الذهب على التعافي، بعدما تراجعت المخاوف المتعلقة بالتضخم الناتج عن الطاقة بصورة مؤقتة.
وانخفض خام برنت في جلسة الثلاثاء وفق بيانات المادة إلى 95.73 دولار للبرميل، وهو أدنى مستوى له في نحو أسبوع، مع تركيز الأسواق على مؤشرات تحسن تدفقات الخام من الخليج.
وتكتسب أسعار النفط أهمية خاصة بالنسبة للذهب؛ لأن استمرار ارتفاع الطاقة قد يعزز التضخم، ويدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط عادة على المعدن الذي لا يدر عائدًا دوريًا.
تحسن تدفقات الخليج يضغط على علاوة المخاطر
استندت أسواق الطاقة إلى مؤشرات على استعادة جزء من تدفقات الخام من المنطقة، مع عودة السعودية إلى تصدير النفط من ميناء ينبع على البحر الأحمر بعد إصلاح الأضرار التي لحقت بخط أنابيب الشرق-الغرب.
وأشارت بيانات نقلتها المادة إلى ارتفاع صادرات النفط الخام السعودية التي تم رصدها خلال الأيام السبعة السابقة إلى متوسط يقارب 9 ملايين برميل يوميًا.
وفي المقابل، استمرت الأسواق في مراقبة التطورات المتعلقة بإمدادات الشرق الأوسط وممرات الشحن، ما يعني أن علاوة المخاطر لم تختف بالكامل، لكنها تعرضت لضغوط مع ظهور علامات على تحسن التدفقات.
الاحتياطي البترولي الأميركي يدخل المعادلة
أعلنت وزارة الطاقة الأميركية أنها تعرض على الشركات إقراضها ما يصل إلى 40 مليون برميل من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، ضمن تحرك أوسع لإطلاق احتياطيات النفط بعد اندلاع الحرب مع إيران.
ومن شأن زيادة المعروض المتاح للسوق أن تساعد على تخفيف بعض الضغوط السعرية، خصوصًا عندما تتزامن مع تحسن تدفقات الخام من دول الخليج.
لكن تأثير هذه الخطوة على المدى الأطول يبقى مرتبطًا بتطورات الإمدادات الفعلية واستقرار حركة النقل في المنطقة.
جون ويليامز يخفف رهانات رفع الفائدة
في سوق السندات، جاءت تصريحات جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لتغير جزءًا من توقعات المتعاملين بشأن موعد الزيادة المقبلة للفائدة.
وقال ويليامز إن البنك المركزي ليس بحاجة إلى التسرع في اتخاذ الخطوة التالية، وإن أمامه وقتًا لمراجعة البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ قرار جديد.
وأضاف أنه، إذا تطور الاقتصاد بما يتوافق مع توقعاته، فقد تكون زيادة واحدة إضافية للفائدة قبل نهاية العام مناسبة لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.
وأدت تصريحاته إلى تراجع احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر من قرابة 70% إلى نحو النصف وفق تسعير العقود، ما خفف بعض الضغط عن الأصول الحساسة للفائدة، وفي مقدمتها الذهب.
الفيدرالي أبقى الفائدة عند 3.75% إلى 4%
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع نطاق سعر الفائدة في اجتماعه الأخير إلى 3.75%-4%، مشيرًا إلى استمرار ارتفاع التضخم رغم متانة النشاط الاقتصادي.
وهذا المستوى المرتفع من الفائدة يظل أحد أبرز مصادر الضغط على الذهب، لأن صعود العائد على الأصول المدرة للدخل يزيد تكلفة الاحتفاظ بالمعدن.
وفي الوقت نفسه، أكدت توقعات أعضاء اللجنة الفيدرالية الصادرة في سبتمبر تباين الرؤى بشأن المسار المناسب للفائدة خلال الفترة المقبلة.
عوائد السندات تواصل التحرك قرب أعلى مستوياتها
شهدت سندات الخزانة الأميركية جلسة متقلبة، بعدما وصلت العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات، قبل أن تتراجع حدة موجة البيع لاحقًا.
ووصل عائد السندات لأجل 10 سنوات في وقت سابق من الجلسة إلى أعلى مستوياته منذ منتصف 2007، بينما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عامًا مستويات لم يشهدها منذ يونيو 2002.
ويرتبط ارتفاع العوائد بمخاوف التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد احتياجات التمويل، إلى جانب المخاوف المرتبطة بحجم الديون التي تمول استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
لكن تصريحات ويليامز دفعت جزءًا من المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع قريب، ما ساعد على تهدئة عمليات البيع في السندات.
الدولار يظل ورقة ضغط أمام الذهب
رغم ارتداد الذهب، لم تختفِ قوة الدولار من المشهد.
وتحرك الدولار قرب أعلى مستوياته في عدة أشهر، مستفيدًا من ارتفاع العوائد وعودة رهانات التشديد النقدي، وهو ما يجعل الذهب المقوم بالدولار أكثر تكلفة للمشترين في الأسواق الخارجية.
ولهذا جاءت مكاسب الثلاثاء محدودة نسبيًا مقارنة بحجم خسائر الجلسة السابقة، في ظل استمرار وجود عاملين سلبيين أمام المعدن هما الدولار والعوائد.
فرص العمل تتراجع إلى 7.079 مليون
أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن عدد الوظائف الشاغرة بلغ 7.079 مليون وظيفة في أغسطس، بانخفاض عن القراءة المعدلة لشهر يوليو البالغة نحو 7.3 مليون.
كما جاء الرقم دون توقعات السوق البالغة 7.230 مليون وظيفة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن عدد الوظائف الشاغرة استقر عند نحو 7.1 مليون، بينما بلغ عدد التعيينات 5.2 مليون، وإجمالي حالات الانفصال 5.1 مليون، في أغسطس.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية بالنسبة للذهب لأنها تدخل ضمن مجموعة البيانات التي يراقبها الفيدرالي لتقييم قوة الاقتصاد وسوق العمل قبل تحديد مسار الفائدة.
ثقة المستهلك تهبط إلى أدنى مستوى منذ 2014
في مؤشر آخر على الضغوط الاقتصادية، انخفض مؤشر ثقة المستهلك الأميركي إلى 81.9 نقطة في سبتمبر، متراجعًا 6.7 نقطة عن الشهر السابق وأدنى مستوى له منذ أبريل 2014، مقابل توقعات عند 89.2 نقطة.
وأظهرت بيانات مجلس المؤتمرات تراجعًا في تقييم المستهلكين للظروف الحالية والتوقعات المستقبلية، مع زيادة المخاوف بشأن أوضاع سوق العمل.
وتدفع هذه الإشارات في الاتجاه المعاكس لبعض رهانات رفع الفائدة، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير مسار السياسة النقدية، خصوصًا في ظل استمرار التضخم فوق مستهدف الفيدرالي.
PCE والوظائف يقتربان من واجهة السوق
تتجه الأنظار الآن إلى بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي PCE المقرر صدورها الأربعاء 30 سبتمبر، ثم تقرير الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة 2 أكتوبر.
ويكتسب مؤشر PCE أهمية خاصة لأنه المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لتقييم التضخم، بينما توفر بيانات الوظائف إشارة مباشرة إلى متانة سوق العمل.
وتشير جداول مكتب التحليل الاقتصادي إلى أن بيانات Personal Income and Outlays لشهر أغسطس مقرر صدورها في 30 سبتمبر، وهو التقرير الذي يتضمن مؤشرات PCE.
الذهب أمام معادلة أكثر تعقيدًا
تكشف جلسة الثلاثاء عن تغير مؤقت في ميزان القوى داخل سوق الذهب.
فمن جهة، لا يزال الدولار المرتفع والعوائد الأميركية وتوقعات الفائدة تمثل ضغوطًا مباشرة على المعدن، ومن جهة أخرى وفر تراجع النفط وهدوء سوق السندات وتصريحات ويليامز مساحة لارتداد الأسعار.
ويعني ذلك أن تعافي الذهب لا يمثل بالضرورة نهاية للضغوط، بل اختبارًا لقدرة المعدن على استعادة المستويات التي فقدها خلال موجة البيع السابقة.
4180 دولارًا في قلب المواجهة
أصبح مستوى 4180 دولارًا تقريبًا منطقة مهمة في الحركة الحالية بعد عودة الذهب إلى نطاق 4182 دولارًا في بيانات المادة.
ويحتاج المعدن إلى الحفاظ على مكاسبه الأخيرة وتجاوز مناطق المقاومة القريبة حتى تتحول موجة الارتداد إلى تعافٍ أكثر استقرارًا.
في المقابل، فإن عودة العوائد والدولار إلى الصعود، أو ارتفاع توقعات رفع الفائدة مجددًا، قد تعيد الذهب سريعًا إلى دائرة الضغط التي ظهرت خلال جلسة الاثنين.
الذهب يستعيد أنفاسه.. والاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
ارتداد الذهب الثلاثاء جاء في توقيت حساس، إذ تزامن مع تراجع النفط وهدوء نسبي في السندات وتغير توقعات الفائدة، لكنه لم يلغِ العوامل التي دفعت المعدن إلى هبوطه الحاد في الجلسة السابقة.
ومع اقتراب صدور PCE والوظائف الأميركية، ستتجه أنظار المستثمرين إلى ما إذا كانت البيانات ستدعم تهدئة رهانات التشديد النقدي أم تعيد العوائد والدولار إلى الصدارة.
وبين تحركات الفائدة والطاقة وسوق العمل، يبقى الذهب في مرحلة اختبار، بعدما أثبت ارتداده أنه قادر على استعادة جزء من خسائره سريعًا، بينما تظل استدامة التعافي مرتبطة بما سيقدمه الاقتصاد الأميركي من إشارات في الأيام المقبلة.









