محيي الكردوسي يكتب: « سعر المركزي واحد.. فلماذا تختلف فوائد البنوك؟ »

قد يحدد البنك المركزي سعر فائدة رئيسيًا واحدًا للسوق، لكن العميل عندما يقارن بين البنوك يجد أحيانًا فارقًا واضحًا بين عائد شهادة وأخرى، أو بين تكلفة قرض وآخر، رغم أن جميع البنوك تتحرك داخل البيئة النقدية نفسها.
فلماذا لا تتساوى أسعار الفائدة؟
الإجابة تبدأ من نقطة أساسية: سعر البنك المركزي ليس قائمة أسعار موحدة تلتزم بها جميع البنوك، وإنما يمثل مرجعًا يؤثر في تكلفة الأموال والسيولة والائتمان، بينما يحدد كل بنك أسعار منتجاته وفق احتياجاته التمويلية، وتكلفة أمواله، ومستوى المخاطر، وخططه لجذب العملاء، وطبيعة المنتج نفسه.
وهنا تظهر الفروق التي يراها العميل على شاشة الأسعار، لكنها في الحقيقة تبدأ من داخل ميزانية كل بنك واستراتيجيته.
سعر المركزي مرجع.. وليس سعرًا موحدًا لكل المنتجات
يمثل سعر الفائدة الرئيسي الذي يحدده البنك المركزي أحد أهم المؤشرات التي تستند إليها البنوك عند إدارة السيولة وتسعير الائتمان والودائع.
لكن هذا السعر لا يعني أن الشهادة أو حساب التوفير أو القرض في جميع البنوك يجب أن يحمل المعدل نفسه.
فكل بنك يقرر تسعير منتجاته وفق ظروفه الخاصة، ولذلك قد يرفع بنك عائد شهادة أو حساب توفير لفترة معينة، بينما يفضل بنك آخر الإبقاء على سعر مختلف، حتى مع خضوع الاثنين للقرار النقدي نفسه.
احتياجات السيولة.. السبب الأول وراء رفع عائد الودائع
عندما يحتاج البنك إلى جذب أموال جديدة، تصبح أسعار الفائدة على الودائع إحدى الأدوات الرئيسية للمنافسة.
وقد يرفع البنك العائد على شهادة أو حساب معين من أجل توسيع قاعدة الودائع وزيادة الأموال المتاحة لديه، سواء لتمويل التوسع في النشاط الائتماني أو دعم السيولة أو تحقيق أهداف محددة في هيكل ميزانيته.
وهذا يعني أن العائد الأعلى قد يعكس أحيانًا احتياج البنك إلى السيولة، وليس اختلافًا في سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي.
تكلفة الأموال تحدد المساحة المتاحة أمام البنك
الأموال التي تستخدمها البنوك ليست مجانية، كما أنها لا تأتي من مصدر واحد.
فالودائع تمثل مصدرًا رئيسيًا للتمويل، إلى جانب مصادر أخرى تختلف تكلفتها ومدتها وشروطها.
وكلما تغيرت تكلفة الأموال لدى البنك، تغيرت قدرته على تقديم عائدات معينة للمدخرين أو تسعير التمويلات.
ولهذا فإن مقارنة نسبة فائدة معلنة بين بنكين فقط لا تكشف الصورة الكاملة؛ لأن كل مؤسسة تعمل بهيكل مختلف من مصادر التمويل والتكاليف.
المخاطر.. لماذا لا يحصل كل المقترضين على السعر نفسه؟
في القروض والتمويلات، تدخل المخاطر بقوة في تحديد السعر، فالبنك يقيّم العميل وفق مجموعة من العناصر، من بينها التاريخ الائتماني، والدخل، والضمانات، وطبيعة النشاط، ومدة التمويل، واحتمالات التعثر.
ولهذا قد يحصل عميلان على تمويل بالقيمة نفسها، لكن بتكلفة مختلفة إذا اختلف تقييم البنك لمخاطر كل حالة.
وبعبارة أخرى، فإن سعر الفائدة على القرض لا يعكس فقط تكلفة الأموال، وإنما يعكس أيضًا السعر الذي يضعه البنك مقابل المخاطر التي يتحملها.
المنافسة تغير الأسعار من بنك إلى آخر
لا تتنافس البنوك بالطريقة نفسها، كما أن جميعها لا تستهدف الشرائح نفسها من العملاء.
فقد يركز بنك على جذب مدخرات جديدة، فيطرح منتجًا بعائد أكثر تنافسية، بينما يركز بنك آخر على قطاعات مختلفة أو يحافظ على أسعار منتجاته دون تغيير.
كما تستخدم البنوك أسعار الفائدة جزءًا من استراتيجية أوسع لتصميم منتجات تستهدف شرائح محددة من المدخرين والمقترضين.
ولهذا قد تجد فروقًا في الأسعار بين بنكين يعملان في السوق نفسه وفي التوقيت نفسه.
المنتج نفسه قد يغير الفائدة داخل البنك الواحد
الاختلاف لا يحدث فقط بين البنوك، بل يمكن أن تجده داخل البنك نفسه، فعائد حساب التوفير قد يختلف عن عائد الشهادة أو الوديعة، كما يمكن أن يتغير السعر بحسب مدة ربط الأموال، وحجم الرصيد، ودورية صرف العائد، والشريحة التي ينتمي إليها العميل.
وفي التمويل، تختلف التكلفة بحسب مدة القرض وطبيعته، سواء كان قرضًا شخصيًا أو تمويلًا لشراء أصل أو تمويلًا لنشاط تجاري.
لذلك لا تكون المقارنة الصحيحة بين رقمين فقط، وإنما بين منتجين متماثلين وشروط متقاربة.
الفائدة المعلنة ليست دائمًا التكلفة الحقيقية
قد يبدو منتج مصرفي جذابًا لمجرد أن سعر الفائدة المعلن عليه مرتفع، لكن الرقم وحده لا يكشف دائمًا العائد أو التكلفة الفعلية.
في منتجات الادخار، يجب النظر إلى طريقة احتساب العائد، والحد الأدنى للرصيد، ودورية الصرف، وشروط الاسترداد المبكر، والرسوم.
أما في القروض، فلا يكفي النظر إلى الفائدة الاسمية، بل يجب حساب العمولات والمصروفات والتأمين وشروط السداد المبكر وأي تكاليف إضافية.
ولهذا قد يكون المنتج الذي يعلن نسبة أقل أكثر ملاءمة في بعض الحالات إذا كانت تكلفته الإجمالية أقل أو شروطه أكثر مرونة.
لماذا لا تتحرك البنوك في توقيت واحد؟
قرار البنك المركزي بتغيير سعر الفائدة لا يعني أن كل البنوك ستغير أسعار منتجاتها بالطريقة نفسها وفي اليوم نفسه.
فقد يستجيب بنك سريعًا لقرار نقدي جديد، بينما ينتظر بنك آخر، أو يختار تعديل عوائد بعض المنتجات فقط والإبقاء على أسعار منتجات أخرى.
والسبب أن قرار التسعير داخل البنك يرتبط أيضًا بميزانيته، ومستوى السيولة لديه، وتكلفة الأموال، وحجم الطلب على القروض، والمنافسة على الودائع.
كيف يعرف العميل العرض الأفضل؟
عند مقارنة حسابين أو شهادتين، لا يكفي السؤال: أيهما يمنح فائدة أعلى؟
المقارنة الأكثر دقة تبدأ من معرفة العائد الفعلي، وطريقة احتسابه، والحد الأدنى للرصيد، ومدة ربط الأموال، ودورية صرف العائد، والرسوم، وشروط الاسترداد.
وفي القروض، يجب النظر إلى التكلفة الإجمالية للتمويل، وليس سعر الفائدة وحده.
فالفارق الحقيقي بين عرضين قد لا يظهر في النسبة المعلنة، وإنما في التفاصيل التي تأتي معها.
الفائدة الأعلى ليست دائمًا الصفقة الأفضل
اختلاف أسعار الفائدة بين البنوك ليس استثناءً، وإنما نتيجة طبيعية لاختلاف السيولة وتكلفة الأموال والمخاطر والمنافسة واستراتيجية كل بنك وطبيعة المنتج.
ولهذا فإن الرقم الأعلى لا يكفي وحده للحكم على أي منتج مصرفي.
السؤال الأهم بالنسبة للعميل ليس فقط: كم تبلغ الفائدة؟
بل: كيف تُحسب؟ وما الذي سأحصل عليه فعليًا؟ وما التكلفة الكاملة التي سأتحملها؟ وهنا تبدأ المقارنة المصرفية الحقيقية.









